ظاهرة التطرف الفكري قضية المجتمعات المعاصرة، وتعود جذورها إلى التنشئة الاجتماعية كونها ظاهرة اجتماعية تؤثر وتتأثر بالعوامل والظروف المحيطة. تعتمد على إقصاء وعدم تقبل الآخرين سواء في أفكارهم أو معتقداتهم ما دامت تخالف توجهاتهم وآراءهم، وقد تصل إلى اعتماد النظرة الدونية والتهجمية في التعامل تحت بند (إن لم تكن معي فأنت ضدي).
التطرف والعنف وجهان لعملة واحدة، كونهما يجسدان نهج الإقصاء ومحاربة الآخر، وهذا ما نشاهده على الصعيد السياسي في الأعوام الأخيرة، والمتمثل في تعدد الانقسامات بين أفراد المجتمع الواحد، وتصل الخطورة إلى انقسامات داخل الأسرة الواحدة، وفقاً لتباينات واعتقادات غير منطقية، ولا تمثل الهوية الوطنية، ولكن ذلك ما هو إلا نتيجة ما غرس في العقول، وتشبثت به الأذهان على مر الأعوام، ما نتج عنه ما نشهده ونأسف عليه، ونحاول الآن إصلاحه وضبط تبعاته، ولكن هل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟
ما نواجه الآن من صراعات طائفية ومذهبية هو ما أنتجه الخطاب الديني المتشدد الذي قام على تهييج المشاعر وشحن العواطف وقولبة الوقائع في سياقات متعددة، اتخذت أبعاداً لا يحمد عقباها، فابتذال الخطاب الديني من قبل بعض الفئات التي تمارسه بمعزل عن الضوابط الصحيحة، وأهدافه النبيلة، نتج عنه بالغ الضرر بالفرد والمجتمع ومستقبل الأوطان وأمنها في وقتنا الحالي. كما أنه أسهم في خدمة التنظيمات الإرهابية التي تسعى لإثارة الفوضى وتهديد السلم والاستقرار في دول العالم، وقام أيضاً بتغذية الفكر الضال المتطرف الذي يقوم على الغلو والتشدد واستباحة الدماء والأعراض، ويسعى إلى التغرير بالشباب واستقطابهم للقتال في مناطق الصراع باسم الجهاد وخدمة الدين.
الخطاب الديني في معناه السامي والحقيقي يهدف إلى إيصال ما شرعه البارئ عز وجل إلى الناس بالأسلوب الأمثل، ليحقق لهم الخير والصلاح واستقامة الحال. فهو يجب أن يكون بعيداً عن الابتذال أو الاستغلال والتأويل والتحريف الذي يؤدي إلى الإضرار بمصالح البلاد والعباد. فهو خطاب متكامل يلامس الفطرة قبل العقل، وينير الوجدان ليسمو بالإنسان، ويقوم على مبدأ الإخلاص والتجرد في الدعوة لدين الحق.
من صور التطرف الفكري تظهر الطائفية .. وتحديداً السياسية، والتي ينتج عنها في جميع الحالات صراعات على الصعيدين السياسي والاجتماعي، ما يؤدي إلى تهديد استقرار الدول بشكل عام ومؤسساتها بشكل خاص. وقد يرى بعض المفكرين أن الطائفية لم تشكل أزمة في قديم الزمن، بل مصدراً من مصادر قوة واجتهاد علماء الأمة، وسبيلاً يمنع التفرقة والانقسام، وذلك لما خص الله به هذه الأمة من سمات التجدد والتفكر بفضل العلم والمعرفة، كما أن الاختلاف سنة كونية إلهية لا جدال فيها ولا تبرير سوى أن الله أراد ذلك لعباده. إذا كنا نختلف في أذواقنا لمستلزماتنا، فما بالكم في اختلاف الأطياف والأعراق والأديان؟
ما نحن بحاجة إليه في ظل هذه الأزمة التي تعد فتنة شرها مستطير وعظيم هو إيجاد أرضية تتفق فيها الأطراف المختلفة وتحترم بعضها البعض. وأن تتم الاستفادة من الاختلاف بما ينعكس على واقع المجتمعات بنهضة حضارية وفكرية تتقبل الآخر وتدافع عنه وتحميه وتصون كرامته وتحفظ حقوقه، خصوصاً في مجتمعاتنا العربية بعيداً عن الفساد والضلال من منطلق ما تقره الفطرة الإنسانية القويمة دون أي اعتبارات أو خدمة مصالح.
لم يعد الوضع الراهن يحتمل مزيداً من السوء، فضعف روابط النسيج الاجتماعي بسبب الخلافات والتعددات يسهل النيل لمن يريد الفتك بنا وبمعتقداتنا وثوابتنا وحضارتنا الإسلامية العربية وكأننا نهدم مستقبل الأجيال بصنع أيدينا.
قال الله تعالى: (ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللَّه، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنَّا مسلمون). فليكن تعايشنا مع بعضنا البعض من أجل من نحن له موحدون وبعظمته مؤمنون، ومن أجل «وطن» بنا ينهض ويزدهر، ومن أجل حياة إنسانية حرة كريمة تقوم على الخير والفضيلة.