المسؤولية الاجتماعية هي إحدى القنوات التي تدعم المصلحة العامة في المجتمع. وهي ضرورية لتقوية متانة روابط العلاقات الإنسانية لأنها كنظرية أخلاقية تفرض مبادئ التعاون والاحترام والتضامن بين الأفراد، ناهيك عن تأصيل مبدأ ديمقراطية المعاملة والمشاركة الفعالة.
فالمشاركة تعدّ القاعدة الأساسية للحياة الاجتماعية المستقرة، حيث تتمثل في قدرة الفرد على القيام بما له وما عليه من حقوق وواجبات بضمير حي وروح صافية وإرادة قوية، ويأتي هنا دور ثقافة السعي نحو تحسين مستوى الواقع الاجتماعي للمجتمع، فبها يمكن للفرد تعلم أصول العلاقات الإنسانية وسبل التعايش الإنساني والاجتماعي. قال الله تعالى في محكم تنزيله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثمِ وَالْعُدْوَانِ).
وعلى الرغم من أن المسؤولية الاجتماعية تكوين ذاتي لدى الفرد إلا أنه يتم تعلمها واكتسابها من خلال التربية والتنشئة التي يتحقق بها التأثير السلوكي، فهي عملية يمكن من خلالها تعزيز حس المسؤولية لدى الأبناء كي يكونوا جيلاً واعياً وراعياً لذاته ومسؤولياته.
وحتى يكون الفرد مؤهلاً للمشاركة الاجتماعية يستلزم الإلمام بثلاثة جوانب، أولها التقبل، أي تقبله للأدوار الاجتماعية التي يقوم بها في إطار الممارسة السليمة والملائمة له، وثانيها التنفيذ أي تنفيذ العمل وإنجازه بحرص واهتمام لتحقيق النتيجة التي تخدم الهدف وتصب في مصلحته التي يستفيد منها المجتمع، وثالثها التقييم حيث يقيم الفرد عمله وفقاً لمعايير المصلحة العامة.
ونجد أن المسؤولية الاجتماعية فرضت نفسها بقوة مؤخراً في محيط العلاقات الاقتصادية، حيث إنها أثارت ردود أفعال أصحاب العولمة، خصوصاً حول دور ومسؤولية الشركات متعددة الجنسيات نحو مواجهة ظاهرة الفقر في العالم.
وفي منظور البنك العربي الدولي نجد المسؤولية الاجتماعية هي تعهدات منظمات الأعمال للمساهمة في تنمية اقتصادية مستدامة، هدفها تحسين مستوى المعيشة في المجتمعات، من خلال العمل مع العاملين في تلك المنظمات وعائلاتهم، للارتقاء بمستوى التنمية الاقتصادية والحضارية فيها. وتعد ممارسة المسؤولية الاجتماعية للشركات موضع انتقادات واسعة ومستمرة. فهناك من يرى أن الهدف من المسؤولية الاجتماعية للشركات التجارية هو الاستفادة بأساليب عديدة من خلال العمل لتحقيق الأرباح قصيرة الأجل، ويرى البعض الآخر أن المسؤولية الاجتماعية من الدور الاقتصادي الأساسي للشركات، فيما يرى آخرون أنها ليست أكثر من نافذة سطحية مزينة، ومحاولة لاستباق دور الحكومات كرقيب على الشركات القوية متعددة الجنسيات.
وقد نص التشريع الإسلامي على المسؤولية الاجتماعية كتنظيم اجتماعي تكتمل فيه العناصر الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وحث على أدائها من بيان آلياتها الملزمة شرعاً لأفراد المجتمع المسلم، والمتمثلة في فقه الزكاة وفقه الأوقاف والصدقات، وغيرها من التعاملات المتعددة بين الأفراد في إطار تعاليم الشريعة الإسلامية. ونرى واجبات ونشاطات المسؤولية الاجتماعية لا تنحصر في مجال دون آخر أو على فئة دون أخرى، ولا تتطلب جهداً شاقاً كي تحقق المنفعة المنشودة، بل بأبسط وأقل الإمكانات والموارد يمكن أن تحقق مبتغاها، لأنها تتمحور حول فرد مواطن واعٍ بواجبه تجاه قضايا مجتمعه.
وعليه فقد نلمس وعي المجتمع أفراداً وجماعات بالمشاركة النشطة أو الضمنية في الحملات التوعوية والتضامنية والنشاطات الاجتماعية والثقافية والترفيهية والتي تصب في مصلحة المجتمع ككل، مثل الحملات التوعوية بشأن مرض سرطان الثدي والتي تقوم بها المؤسسات والهيئات الصحية، والتي تهدف إلى تثقيف سيدات وفتيات المجتمع حول المرض باعتبار التوعية أولى خطوات مواجهة المرض.
وتندرج أيضاً تحت نطاق المسؤولية الاجتماعية معارض الكتب السنوية والندوات الفكرية والملتقيات الإبداعية، وذلك في إطار الجانب الثقافي، إضافة للأعمال التطوعية والتي هي من أنبل وأروع الأعمال التي يقوم بها أفراد المجتمع تجاه بعضهم البعض. ولوسائل الإعلام دور لا يقل أهمية أيضاً من خلال طرح مواضيع ذات علاقة، ونشر التجارب الناجحة في المجتمع، ولا نغفل عن الدور المهم والمحوري الذي تقوم به المؤسسات التعليمية في تشكيل وتنمية مفاهيم المسؤولية الاجتماعية من خلال تدريسها في الكليات وإعداد البحوث وبرامج الأندية الطلابية بالشراكة مع مؤسسات المجتمع الأخرى.
وأخيراً .. المسؤولية الاجتماعية هي مسؤولية كل فرد ينتمي للمجتمع، فبها تقاس قيمة الفرد بمدى تحمله للمسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخرين.
الجمعة، 2 يناير 2015
مقال : المسئوولية المجتمعية في العالم العربي
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق