السبت، 8 مارس 2014

مقال : دور العمده الاجتماعي بين الماضي والحاضر

لازم صفة العمدة لذلك الرجل الوقور الذي يتسم بالهيبة ويحظى بثقة سكان الحي ليكون ممثلا رسميا باسمهم لدى الجهات الرسمية وفي ذات الوقت يكون عون لتلك الجهات لاسيما الأمنية منها مما يجعله الرجل المناسب في المكان المناسب

فلقب العمدة لهو بُعد تراثي و وضع امني لاسيما لدى سكان منطقة الحجاز , لقد عُرف بينهم بأنه تلك الشخصية الاجتماعية الذي يمثل سكان حيه بصفته المسئول والوالد والأخ الكبير , لذا تجده صاحب كلمة نافذة ليس بقوة القانون والنظام وإنما لما له من احترام وتقدير ومكانه بين أفراد المجتمع . وكان العمدة إلى عهد قريب لايمكن أن يتجاوزه احد من سكان الحي شاكيا جاره مهما كان حجم الضرر ناهيك عن المشاكل الاجتماعية باختلافها سواء بين الزوج وزوجته أو الأخ وأخيه اوغيرهم . وان حدث تجاوز من احد السكان وذهب شاكيا دون علم العمدة فان هذا الفعل يعتبر خطاء فادح وتعدي على مكانة العمدة يُكلف المتجاوز الاعتذار من العمدة شخصيا وسحب الدعوى للنظر فيها من قبل العمدة ووجهاء الحي

وقد اكتسب العمدة هذه المكانة لما له من تقدير وقبول عند سكان الحي , لما لا وهو الذي يعتبر وجوده ضروري وشرط أساسي ضمن قائمة المرافقين لوالد أي شاب يتقدم لخطبة فتاه فوجود العمدة يمثل لولي أمر العروس تزكية أمنيه للخاطب وسند قوي يمكن الرجوع إليه في حال استشكل أمرا ما أو وقع خلاف بين الزوجين مستقبلا . فدور العمدة سابقا كان حيوي يخفف على المحاكم الشرعية والقطاعات الأمنية العديد من المرافعات والمطالبات والشكاوي حيث كان الكثير منها تنتهي عند العمدة

هذه الصورة النمطية الساطعة والمفعمة بالتقدير والاحترام والمحبة والتي سمعتها من والدي أبهرتني وان كنت لم أعيش أحداثها ولكن عند مقارنتي بالواقع الحالي لدورة العمدة في المجتمع أجد أن الفرق شاسع جدا ! مما جعلني أتساءل لماذا فقد العمدة دوره الاجتماعي ومن المسئول عن هذا ..؟ وكيف يمكن استعادة هذا الدور في المجتمع ؟ فالأمر جدا ضروري في ظل ما نعيشه ونشاهده من مشاكل اجتماعية عده وافتقادنا لبعض القيم الأخلاقية النبيلة

ومن هنا فأنني أرى لا عودة إلى دور العمدة ووجهاء الأحياء وترابط سكان الحي إلا بتفعيل دور مجالس الأحياء الحاضرة الغائبة فهي بحاجة إلى إعادة النظر في نظامها وهيكلتها لتكون عونا للعمدة والقطاعات الحكومية بعيدا عن الوجاهة والمنظرة وكسب السمعة على حساب سكان الاحياء الذين يمثلونهم وهم في الأساس لا يربطهم أي رابط بهم , قد يرى البعض أن ظروف الحياة اختلفت وفرضت على المجتمع عادات وقيم وتقاليد دخيلة أثرت على أخلاقيات الناس وتصرفاتهم . لكن هذه ظروف طارئة وتصرفات شاذة لا تشكل واقع ولا تساهم في تخلينا عن مسؤولياتنا جميعا مواطنين ومسئولين تجاه أبناء هذا الوطن من الجيل الصاعد الذي لم يعيش حياة الترابط الاجتماعي الذي تطرقت له بدايةَ ً

لاسيما وأننا في بلد اسلامي نسبة الخير فيه تدعو للتفاؤل و تبشر بإمكانية إعادة ربط ماضيه بحاضره إذا أحسنا الاستفادة من النخب الفاضلة من الرعيل الذي بيننا وعايش الماضي والحاضر ,فهم كثر ومستوياتهم العلمية والثقافية والاجتماعية تؤهلهم للاخذ بأيدي الجيل الحالي إلى العادات والقيم السامية . فعلى المجالس البلدية مسئولية المشاطرة في الرأي والمشورة ومشاركة مجالس الأحياء والعُمد فمطالب مجالس الإحياء في مجملها جزء من مطالب المجالس البلدية ,فالتنسيق بينهما مطلب تتطلبه الحالة الاجتماعية التي نعيشها

فلنا أن نتصور لو تضافرت الجهود لإعادة دور العمدة وتفاعلت مجالس الأحياء والمجالس البلدية والجهات الحكومية ذات العلاقة وتُوج ذلك بتعاون سكان الأحياء وأعطي الاهتمام اللازم للوجهاء وكبار السن وذوي الخبرة من السكان لاسيما الشباب والمتقاعدين ومشاركة هذه الفئة بمجالس الأحياء كأعضاء فاعلين أو مستشارين فان النتيجة المرجوة اجتماعيا وثقافيا وامنيا سوف تنعكس إيجابا على ضبط إيقاع العديد من التصرفات غير المقبولة التي تصدر من بعض أفراد المجتمع .

مقال : تداعيات الغربة الوطنية

باختلاف المكانة الاجتماعية للفرد في مجتمعه ووطنه يظل الوطن مصدر فخر واعتزاز له فمحبة الأوطان من الإيمان لما لا..؟! ورسولنا صلى الله وعليه وسلم خير من أحب وطنه مكة المكرمة نماء وانتماء والدليل على ذلك حديثه معهم عندما اُجبر على الخروج منها قال : ( انك لأحب بلاد الله إلى الله ولولا ان اهلك أخرجوني منك لما خرجت) وظل يشده الحنين إلى وطنه الأم حتى عاد إليها فاتحا . ولمحبته لوطنه وأبنائه فقد كان رحيما بهم متعاطفا ومتسامحا معهم , بالرغم لما تعرض له منهم أثناء حياته بينهم وعند خروجه مهاجرا .

نعم لقد كان في قمة التسامح معهم وكما قال قولته المشهورة عند الخروج من مكة المكرمة التي تدل على صدق المواطنة عند عودته منتصرا( ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: أخٌ كريم، وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فانتم الطلقاء

باستعراض ما تقدم يتضح لنا ان رسولنا الكريم علم انه أمام أبناء وطنه الأم ففيهم الأقارب من أبناء العمومة والأرحام وأيضا الأصدقاء والجيران .فتجسدت إليه روح النماء منذ ولادته مرورا بنشأته على هذه الأرض المباركة

فضرب لنا أروع المُثل في حب الوطن وحقيقة المواطنة بعيدا عن البعد الديني لرسالته عليه الصلاة والسلام, فالمواطنة نماء وانتماء وتعايش فإذا ما فقدت هذه الركائز فلا نبحث عن المواطنة فنماء الإنسان في وطنه تحكمه الولادة والمنشى , وانتمائه يحكمه ما يقدمه له وطنه من متطلبات حياتية ضرورية كالتعليم والرعاية الصحية واستقرار نفسي في دخله ومسكنه ومستقبل أبنائه

فهذه العوامل مرتبطة تُرسخ لدى المواطن الحرص على ارتباطه بوطنه ولو استعرضنا العديد من الأحداث قديما عبر التاريخ وحديثا إبان ثورات الربيع العربي التي طالت عددا من البلدان العربية لوجدنا أسباب حدوثها عدم قراءة أصحاب القرار والرأي والمؤتمنون على رعاية مصالح تلك الشعوب للأحداث قراءة صحيحة ومتأنية وصادقة وما صاحبها من تدخلات وأجندات خارجية تزامنت مع شعور المواطنين بالغربة في أوطانهم وهذا الشعور من اشد واخطر الحالات التي يصل لها أي مواطن فشعوره بعدم اخذ حقه هو وأبنائه مما يجب أن يقدمه له وطنه من خدمات حياتية أساسية للفرد وفرصة العمل المناسب قياسا بدخله الشهري الذي لا يتناسب مع اقل احتياجاته الضرورية نضف إلى ذلك مسكنه غير اللائق الذي لا يحفظ له كرامته وآدميته مما يتسبب في إحراجه أمام أبنائه وزوراه

نزد على ذلك تسارع الإجراءات والقرارات والضوابط الاستثنائية من الجهات الرسمية التي تحول بينه وبين تحسين وضعه ماديا واجتماعيا وقد يتبعه دفع رسوم وغرامات وجزاءات مالية تستقطع من دخله المتواضع والبسيط . فكل هذه العوامل مجتمعة إذا ما تكالبت على أي مواطن في أي وطن من الأوطان فان نسبة المواطنة والانتماء لديه لن تصل إلى الحد المطلوب فهو للجنوح اقرب منه للرضوخ وللتعايش الآمن الذي يجعل منه مواطن صالح حيث تتحكم فيه العديد من العوامل النفسية وازدواج الشخصية التي يتعذر معها أن يُطلب من مواطن وهذه حالته بالوطنية والمواطنة وحب الوطن . فالأمر يتطلب الأخذ بيد هذا الفئة من المواطنين ومساعدتهم فهم يمثلون السواد الأعظم في كل وطن من الأوطان فالعناية بهم حصن لأوطانهم بعد الله وإهمالهم غير محمود العواقب فبالإخلاص وحسن النوايا وأداء المؤتمنون لأمانتهم نسلم ويسلمون فالسفينة تسع الجميع .